الأحد , 20 يناير 2019

الحوزة العلمية بين الانفتاح والانغلاق، الركود والتجديد

أرى أن التجديد الفكري للحوزة العلمية ينطلق من قاعدة أساسية، وهي توسيع آفاق الفكر من دائرة التشيع وانطلاقه إلى العالم الإسلامي. وبالشكل الذي يحقق هذا التوسع في مجالات الفقه، الكلام، التأريخ والسياسة أيضاً.

في ذكرى وفاة آية الله الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني (28 / 9/ 1397 شمسي الموافق 18 ديسمبر2016) نقدم لكم حوار أجراه مجلة الحوزة مع سماحته حول الانفتاح والتجديد في الحوزات العلمية.

ديمومة الحوزات العلمية وبقاؤها بالتجديد والانفتاح الفكري، وبالرؤى المضيئة النيرة التي تستأصل جذور الجهل، وتنشر آفاق المعرفة وتسطّر الملاحم. وبالينابيع التي تستمد عطائها من الأفكار النقية الخالصة والأصيلة، فتروي الأرواح المتيّمة الولهى في كل آن ومكان فتغمرها حيويةً وألقاً.

التجديد الفكري، والأفكار المتألقة والملهمة، تمنح الحوزات العلمية روحاً جديدة وتحدث فيها ثورة شاملة في مختلف ميادينها الفكرية والعلمية وتفتح أمامها آفاقاً نيرة.

وعندما يصبح التجديد الفكري، هو القاعدة والأساس وينشر لواءه على جميع مفاصل الحوزات العلمية والدينية، فإنّ الأفكار النيرة، الصادرة عن الأذهان المتقدة بضياء منهج التجديد الفكري، تتجدد في كل آن، فتشع بأنوارها وتشمخ بقامتها أمام الظلمات وتضرب سداً مهيباً من البهاء والضياء.

التجديد الفكري، يورق شجرة الحوزات العلمية على هام الزمان وصرح الوجود الشامخ، وينفث في جسدها، في كل آن، روحاً جديدة وحياة متلألئة، تقيها من المصائب والويلات ومن كل نائبة تريد أن تكسر كبرياءها، وتحول دون حضورها المهيب، لتمارس دورها الخلاق في ميادين الإبداع الكبيرة، الحيوية، المصيرية والتغييرية الشاملة، فتلجأ إلى خيار الانزواء والانكفاء والخروج من عجلة الحركة ومواكبة الزمن.

وفي ظل بريق التجديد الفكري، ستمتلك الحوزات العلمية، طاقة فريدة، وترفع لواء التجديد على بوابة الحكمة والمعرفة بكل ثقة واقتدار، ودونما خوف من الحراب المشرعة، والمكائد والدسائس، وتهبّ لمقاتلة جيوش الجهل بكل شجاعة وإقدام، وتعبر من الشعاب الوعرة بخطوات راسخة واثقة دونما تردد، وتطوي الفيافي والقفار المرعبة، وتخوض غمار المستنقعات والأوحال التي تعيق مسيرتها، وتنهض بهمة عالية مؤثرة وبمواجهة شاملة، ضد من يصنعون المستنقعات الآسنة، وينشرون الخرافات والجهل، ومحترفي الموت الأسود.

التجديد الفكري، لو تسنى لـه أن يغوص في ثنايا الحوزات العلمية، ما ظهر منها وما بطن، وأن يغمر ببريقه الصدور العامرة، سوف لن يطول ترقبنا حتى نشهد إبطاله لطلسم الليل، ويمزق سدى الأفكار وأنسجتها الخرافية، التي تبعث على التأخر، والشل، والاضمحلال، والظلامية فتكشف بالتالي عن الفجر الصادق، للمنتظرين بزوغ فجر الأفكار الأصيلة.

وهذه هي رسالة الحوزات العلمية ومسؤوليتها الكبيرة الملقاة على عاتقها، بأن تعمد إلى الحد من نسج خيوط الجهل والتحجر الخفية، في زوايا ذهنها وبيئتها الفكرية، من خلال اعتصامها بكهف الحكمة والعقلانية الحصين.

تلك الخيوط التي من الممكن أن تلتف حول منافذ الذهن الشاخصة للنور ومهاده الحاضنة للأفكار، على إثر عدم الاهتمام، والغفلة، وعدم الورود المتواتر على كوثر القرآن ومنهله الرقراق العذب، والسنة السمحاء ومذهب أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، والجهل بأحوال الزمان، وعدم المعرفة بهذه الضجة المثارة من حولنا، وبقعقعة النظريات والأفكار… وغيرها كثير، فتمنعها بالتالي من النظر إلى الآفاق والمديات الرحبة النيرة.

هذا الحوار حلقة في سلسلة الانفتاح والتجديد في الحوزات العلمية نجريه مع عَلَم من أعلام هذه الحوزات ألا وهو سماحة العلامة الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني.

المنهج التجديدي للحوزة العلمية، من المقولات التي تستحق أن يستنطق أهل الرأي وجهات نظرهم، لإلقاء المزيد من الضوء على مختلف جوانبها، وتناول خلفياتها بالبحث والتمحيص، والكشف عما يجب وما لا يجب القيام به لديمومة بقاء هذا المشروع. من هنا، قصدنا سماحتكم لكي نستمع إلى ما ترونه في هذا المجال ونتعرف على آرائكم لنقدمها لطلبة العلوم الدينية وأهل العلم بهدف تعميم الفائدة.

في البداية، وقبل الدخول في الموضوع، يا حبذا لو تتفضلون علينا بتوضيح أي مقترح أو ملاحظة معينة لديكم، بخصوص موضوع الحوار.

مبادئ الانفتاح والتجديد 

* ابتداءً، أرى من الضروري أن أبين عدة نقاط أساسية سبق وأن وضعتها لموضوع التجديد الفكري في الحوزة العلمية، لكي يتسنى للطلبة الذين بصدد متابعة هذا الموضوع، الاطلاع على ضروريات هذا الأمر وحيثياته. وهذه النقاط عبارة عما يلي:

1ـ التخلي عن العصبيات التقليدية

عادة ما يكون الأمر بهذه الصورة، إذ إنّ بعض الطلبة يحمل معه نفس الذهنيات والعصبيات التقليدية التي كانت تستحوذ عليه قبل مجيئه إلى الحوزة العلمية. حتى إنه يلاحظ أن بعض الأفراد لم يفلحوا في تنقية أذهانهم وأفكارهم منها إلى آخر العمر. وهذا النمط من الذهنيات، يعد مانعاً كبيراً أمام التجديد الفكري للحوزة العلمية ولا بدّ من تصحيحه.

2ـ الاستفادة من مصادر التراث الإسلامي بمذاهبه كافة 

جميع المصادر والنصوص الإسلامية، سواء الشيعية منها أو السنية، والتي يتم الاستفادة منها في ميدان الأبحاث والدراسات الإسلامية، يجب أن تخضع بأجمعها للمراجعة. ولا بدّ لنا من السعي إلى فهم جميع المواضيع الإسلامية من قبيل: مسألة الاجتهاد، الفقه، الإمامة، المسائل التاريخية… وغيرها، من تلك النصوص بشكل محايد.

3ـ الابتعاد عن التفريط والإفراط المذهبيين 

إذ لا بدّ من الابتعاد عن الإفراط والتفريط في مدح وذم الصحابة والتابعين وبقية علماء الفريقين.

4ـ الترفّع عن الاعتقاد بالأحقية المطلقة 

مهما بلغ الإنسان من الاطلاع والمعرفة، إلا أنه من الممكن أن يكون قد فهم أمراً ما بشكل خاطئ أو سمعه بشكل غير صحيح، وبالنتيجة، يمكن أن يخطأ في اجتهاده. من هنا، إذا كان يظن بنفسه خيراً على الدوام وفي كل آن ومكان، فإن هذا الأمر سيصبح سبباً لعدم توصله لبعض الحقائق. وبناء على ذلك، يجب أن لا يظن بأن الحق معه في كل الأحوال.

وانطلاقاً من ذلك، فإن المجتهدين يكتبون في الرسائل العملية: «العمل بهذه الرسالة مجزي » أي يجب أن لا يُظن بأن كل ما جاء فيها، هو الحق والصواب.

5 ـ التمحيص في المسائل القابلة للاجتهاد 

باب التحقيق والبحث مفتوح تماماً في المسائل الاجتهادية. وكذا الحال في مجال المنقولات أيضاً، إلا أنها لا تقبل الاجتهاد بقدر المسائل الاجتهادية، وإن كان باب التحقيق لم يغلق بشكل كامل.

6ـ أخذ تاريخ الإسلام من المصادر الأُولى

لا بدّ من الرجوع إلى المصادر الأولى في الأبحاث التاريخية، من قبيل: طبقات ابن سعد، سيرة ابن هشام المأخوذة أساساً عن سيرة محمد بن إسحاق من رواة الإمام الصادق(عليه السلام)، وشرح نهج البلاغة لابن أبي حديد. ومن ثم الرجوع إلى الكتب التاريخية التي كتبها الطبري وأمثاله، وكذلك الدراسات التاريخية التي قام بها المتأخرون من علماء الشيعة والسنة.

كما أن الدراسات التي قدمها المتأخرون من علماء مصر، وخاصة خلال المئة عام الأخيرة، تعد بحق دراسات جديدة في هذا المجال. وحصلت في فترة كان فيها المثقفون الإسلاميون يقرؤون في الغالب مقالات المصريين، ومن بين العلماء الشيعة هناك علماء مجددون، مثل السيد شرف الدين، والسيد محسن العاملي، والشيخ محمد جواد مغنية، وكاشف الغطاء وأمثالهم، قدموا دراسات جديدة في مجال تاريخ الإسلام تستحق الاهتمام.

7ـ ضرورة القراءات التفسيرية المقارنة 

وفي مجال قراءة كتب التفسير، ينبغي أن نقرأ اثنين من التفاسير بمزيد من التركيز: أحدهما تفسير «المنار » والآخر تفسير «الميزان » وبشكل مقارن؛ بمعنى أن لا ننظر إلى المواضيع الخلافية بينهما بشكل منفصل، بل نعمد إلى مطابقتها مع بعضها البعض.

8 ـ الرؤية الجديدة للسياسة والاقتصاد 

المسائل الاجتماعية والاقتصادية، إما أنها لم تكن مطروحة في السابق، أو كان الاهتمام الأكبر ينصب على الجوانب الأخلاقية منها فقط. ففي المسائل السياسية كان الحديث يدور فقط حول مسألة الخلافة والإمامة. ولم تكن لدينا مسائل سياسية إسلامية بشكل منفصل. وأما الآن فإنّ المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تحظى بالدراسة بشكل منفصل، آخذين بنظر الاعتبار الآراء الجديدة في هذا المجال.

9ـ بناء الشخصية الدينية المثقفة المعتدلة

أفضل نموذج ومعيار للثقافة الدينية، هي كتابات الشهيد المطهري. وإذا كان من المقرر استشراف الثقافة الدينية المعتدلة والعميقة، لا بدّ من مطالعة كتبه.

10ـ التقريب الفكري بين المذاهب

فيما يتعلق بالتقريب بين المذاهب الإسلامية، يجب أن نحث الجهود في هذا الاتجاه قدر المستطاع. ولهذا الموضوع أهمية بالغة تؤثر على مسألة التجديد الفكري للحوزة العلمية؛ لأن التجديد الفكري يستلزم أن لا يتحدد الفكر داخل مذهب خاص، بل أن يصار إلى الاهتمام بالفكر والرأي في كل العالم الإسلامي على اتساع رقعته.

ويجب أن لا يُصار إلى القول: بأن الاختلافات طالما أنها حدثت منذ بداية الأمر، وتعود إلى كون أحد الطرفين محقاً والآخر غير محق، فلا يوجد ـ إذاً ـ أي سبيل للتقريب والتقارب بين الطرفين. وقد تطرقت في كتاباتي إلى ضرورة طرح المشاكل والاختلافات التي يعاني منها المجتمع الإسلامي([1]).

وبينت أفضل الطرق للتقريب بين المذاهب، وقلتُ: إنّ التقريب بمعنى الوحدة السياسية أو الوحدة في الأفكار الدينية ليس صحيحاً وهو أمر غير ممكن أيضاً، ولكن التقريب بمعنى تفهّم الآخر والاستماع إليه والاقتراب منه، فذلك أمر يمكن تحقيقه.

11ـ السفر إلى الدول الإسلامية

أفضل آلية للانفتاح الفكري الديني للمدارس الدينية، تتمثل في السفر إلى الدول الإسلامية، وخاصة المهمة منها، مثل: الحرمين الشريفين، القاهرة، سوريا، لبنان، المغرب، الجزائر، الأندلس ( إسبانيا )… وغيرها، إذ إن هذا الأمر يفتح ذهن الإنسان وفكره. ويرى بعض الأشياء في العالم الإسلامي عن قرب تجعله يغيّر رأيه وما يدور في ذهنه تجاه الإسلام والمسلمين.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، عندما نذهب إلى إسبانيا مثلاً، ونشاهد تلك المظاهر الإسلامية هناك، فأن أذهاننا ستنقلنا إلى أن بني أُمية، ذهبوا في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني وفتحوا تلك البلاد وشيدوا فيها أعظم حضارة إسلامية. وما زالت بعض آثارهم المهمة باقية لحد الآن.

مسجد قرطبة، عبارة عن صرح معماري، حتى إننا لا نملك مسجداً مثله في الشرق، وأُقيمت فيه الصلاة لعدة قرون، فكانت لـه من الأهمية بحيث إن المسيحيين وجدوا أنه من الحيف القيام بتخريبه، بل حافظوا عليه وأقاموا في وسطه كنيساً. وفي أطراف مدينة قرطبة، بنى أحد خلفاء بني أُمية مدينة تحمل اسم زوجته، وسماها (مدينة الزهراء).

وباستثناء المسجد المذكور، فان البقية تعرضت للتخريب والدمار إلى حد ما، أثناء المعارك. وقد كتبت على جدران هذا المسجد، آيات من القرآن الكريم بخط الثلث بشكل جميل جداً، بحيث إنها تثير الدهشة والتعجب. وهذه من مظاهر الحضارة الإسلامية والمفاخر لجميع المسلمين. هذه الأعمال تنبهنا إلى هذه النقطة وهي كيف تمكن أولئك من إخراج الإسلام من محيط محدود، ونجحوا في التأثير على الأوربيين من خلال الفتوحات في أوربا ونشر العلم والحضارة الإسلامية هناك.

وإحدى الأماكن الأُخر التي تعكس عظمة الحضارة الإسلامية، هي تركيا. فعندما ذهبت إلى هناك، كتبت رسالة إلى أحد الأصدقاء وقلت: من لم ير مدينة اسطنبول، كأنه لم ير العالم الإسلامي. فقد شيّد الخلفاء العثمانيون هناك مساجد مهيبة، ونشروا الإسلام من هناك وأوصلوه إلى قلب أُوروبا ـ مثل البوسنة والهرسك … وغيرها ـ وما زالت آثارهم الإسلامية باقية لحد الآن.

وهكذا، ينبغي على المثقف الديني أن يسافر إلى البلدان الإسلامية الأُخر، مثل الباكستان، الهند، ماليزيا، وآسيا الوسطى وصولاُ إلى روسيا وما سواها؛ ليشاهد الآثار الإسلامية عن قرب، وليتواصل مع علماء الإسلام ويتحاور معهم، كي يطمئنّ بأن الإسلام ما زال يربي العلماء في أحضانه.

إنّ مشاهدة تلك الآثار وإقامة هذه الوشائج، تحمل الإنسان على تجديد أفكاره، وأن نؤمن بأنّ الإسلام لا يقتصر علينا فقط، بل يجب أن نفكر بشكل أوسع وأكثر انفتاحاً. وهذا الانفتاح الفكري تجاه العالم الإسلامي، يؤدي إلى حصول التجديد الفكري في الإسلام، ويودي بالإنسان المسلم إلى الانعتاق والخروج من دائرة العصبيات والذهنيات الخاصة. ولو أخذت الحوزة العلمية بهذه الملاحظات التي أشرت إليها وجعلتها ضمن دائرة اهتماماتها، فإن طريق التجديد الفكري المعتدل، سينفتح على مصراعيه أمام طلبة العلوم الدينية والحوزات العلمية.

كيف يفترض أن نقرأ ظاهرة الفتوحات الإسلامية؟

منذ متى اهتم سماحتكم بالتعرف على العالم الإسلامي والوقوف على الأحداث التي تقع في البلدان الإسلامية، والاطلاع على الآراء والأفكار المطروحة هناك والتي تحظى باهتمام الشباب، وأن تهتموا بمقولة الانفتاح الفكري وتلجؤوا إلى الكتابة وتكتبوا لتوعية جيل الشباب في الحوزات العلمية الدينية؟
* لقد كنت أُتابع دائماً أخبار وأوضاع المسلمين والبلدان الإسلامية، منذ بداية دراستي في النجف الأشرف، ومشهد وقم المقدستين.

وفي عام1338 ش الموافق لعام 1959 م، شرعت بالكتابة وكتبت مقالة في مجلة (مكتب إسلام). وفي ذلك الوقت صدرت هذه المجلة بهمة وأقلام بعض الأفاضل مثل: الآيات العظام: السيد موسوي الاردبيلي، سبحاني، مكارم الشيرازي، ونوري الهمداني وآخرين، ومنهم الإمام موسى الصدر ومجد الدين المحلاتي. والموضوع الذي اخترته للكتابة يرتبط بالتجديد والانفتاح الفكري. وقد نشر هذا الموضوع في مجلة (المدرسة الإسلامية)، في السنة الأولى تحت عنوان: «فتوحات الإسلام».

وكان هدفي من طرح هذا الموضوع، هو القول بأن جميع المسلمين قد شاركوا في الفتوحات الإسلامية، حتى إن حصة الآخرين في المشاركة كانت أكثر من حصتنا بكثير؛ خاصة وأنه خلال هذه الفتوحات، كانت الخلافات تظهر أحياناً بين الشيعة والسنة، وبالتالي لم تحقق هذه الفتوحات أهدافها، أو كانت تتعرض للخسائر.

ففي فتح الأندلس مثلاً، نجد أنّ أحد العوامل التي أدت إلى أن يفقد المسلمون تلك البلاد، بالإضافة إلى مسألة الاختلافات بين الحكام أنفسهم هناك، هي أن الشيعة الموجودين في المغرب، دخلوا إلى الأندلس وأُثيرت مسألة الخلافات الشيعية والسنية.

ووجدت أن المسلمين في إيران، لا يعرفون شيئاً على الإطلاق عن الفتوحات الإسلامية آنذاك، ويعتقدون بأن كل ما هو موجود في الساحة، يتمثل بالفتوحات والانتصارات التي تحققت على يد الإمام علي(عليه السلام) في معارك صدر الإسلام فقط.

حتى إنّ بعض الأفاضل، مثل المرحوم آية الله الحاج السيد رضا الصدر، لم يكن مبالياً بهذا الموضوع إطلاقاً؛ على الرغم من أنه كان يعتبر من رجال الحوزة العلمية المنفتحين، إذ كان يقول: لو إنهم اختاروا علياً(عليه السلام) خليفة، بدلاً من هذه الأعمال، فإنّ جميع الناس كانوا سيدخلون الدين الإسلامي بشكل سلمي دون الحاجة للحرب.

وكأنّ شخص الإمام عليّ أفضل من شخص رسول الله ’ وأكثر تأثيراً. ولكن هذه النظرة ليست صحيحة. بل إن هذه الفتوحات، وكما هو واضح لنا، كانت بحاجة إلى التدبير، القوة، الجهاد، والاستعداد للشهادة… وغيرها من الأُمور، ولم تكن لتتحقق بدون هذه الأُمور. ولكن لو أنّ علياً كان على رأس الهرم، فإنّ كمال علمه وعدالته (عليه السلام) كان سيؤدي إلى أن تتحقق الفتوحات الإسلامية بشكل أسلم وأسرع.

والواقع، أن هذه الفتوحات جاءت معبرة عما كان يتوقعه لها النبي الأكرم(عليه السلام):

1ـ ففي معركة الخندق، وبينما كان المسلمون منشغلين بحفر الخندق، ظهرت لهم صخرة كبيرة، فضربها الرسول ’ بالمعول ثلاث ضربات، ولمعت تحت المعول برقة في كل مرة، فقال: هذه قصور الحيرة قد لاحت لي، وهذه قصور الروم قد لاحت لي، وهذه قصور فارس قد لاحت لي.

وبالإضافة لذلك، ألم يؤيد الإمام علي(عليه السلام) هذه الفتوحات ؟

2ـ ما أكثر المجاهدين الذين كانوا يذهبون للجهاد رغبة بالشهادة فينالونها. ومنهم القائد الإسلامي النعمان بن المقرن، الذي استشهد في همدان، في معارك فتح بلاد فارس. فقد طلب من الجيش قبل بدء المعركة أن يدعو له بالشهادة في هذه المعركة.

3ـ الإمام السجاد(عليه السلام)، وكما ورد في الصحيفة السجادية، كان يدعو للمجاهدين؛ فمن هم هؤلاء المجاهدين ؟ إنهم أولئك المجاهدين الذين كانوا يتوجهون للجهاد بأمر الخلفاء للفتوحات الإسلامية. فقد خاض طارق بن زياد طريق البحر لفتح بلاد الأندلس، وعندما وصل إلى الساحل أمر بإغراق السفن، ثم خاطب المجاهدين قائلاً: «العدو من أمامكم والبحر من ورائكم».

وبتلك التدابير والتضحيات الجسام، وبمثل هذه العقيدة الراسخة القوية، تمكنوا من تحقيق هذه الفتوحات. فإذا كانت هذه الفتوحات ليست من الإسلام بشيء، فما هو الإسلام إذن برأي الذين لايعيرون أهمية لهذه الفتوحات؟

وعلى أية حال، ينبغي علينا أن نعمل على تطوير أفكارنا إلى ما هو أبعد من الدائرة الشيعية، وأن ننظر إلى الإسلام بشكل أوسع. لكي لا نصدق القول بأننا غير قادرين على أن نصبح من رجال الدين المثقفين والمنفتحين.

نهج السيد الخامنئي في الانفتاح والنقد

سماحة السيد قائد الثورة الإسلامية علي خامنئي(دام ظله)، يعتبر من طلائع العلماء المجددين والمتنورين في الحوزة العلمية، وداعيتها في الوقت الحاضر، وكثيراً ما أكد وما زال يؤكد على مواصلة هذه المسيرة النضرة المؤثرة، وأن تتسع دائرتها يوماً بعد يوم، وتتزود بمزايا الانفتاح الفكري ورموزه. فما هو تقييم سماحتكم لتأكيداته وهواجسه؟ وكيف تفسرون هذا التوجه؟
* إن سماحة السيد القائد (حفظه الله) وكل الذين تأثروا بالإمام الراحل الخميني& واستلهموا من فكره، كانوا ينتهجون منهج الانفتاح والتجديد الفكري، قبل اندلاع الثورة الإسلامية المباركة، وكان الجميع يفكرون بالوحدة الإسلامية. وسماحته يعتقد: بأنه يجب علينا أن نطالع كثيراً ونستخرج المقولات الجديدة من أعماق الإسلام، وأن لا نقف بوجه النظريات والآراء الجديدة، فإن كانت صحيحة نقبلها، وإن كانت خاطئة نرد عليها بالدليل. أو من الممكن أن يكون جزء منها صحيحاً والجزء الآخر خاطئاً، لذا يجب أن يتم نقدها بشكل صحيح ـ دون أن ينفروا من ذلك ويدب الخلاف ـ كما هو شأن سماحته لحد الآن، أي أنه ناقد منصف.

وكمثال على ذلك، فإنّ المرحوم الدكتور علي شريعتي، وعلى الرغم من أنه كان مخطئاً في بعض الجوانب، إلا أنه عندما استشهد، توجه ثلاثة أشخاص من الحوزة العلمية إلى منزل والده لتقديم التعازي لـه، وهم: سماحة السيد القائد، سماحة الشيخ طبسي والشهيد هاشمي نجاد&، ونحن الذين كنا في الجامعة، لم نتجرأ على الذهاب، لأننا كنا نخشى لئلا ينتفض ضدنا أصحاب القداسة.

ولكن السيد الخامنئي ذهب؛ لأنه كان يعتقد بأنّ الدكتور شريعتي في نفس الوقت الذي كانت لديه بعض الأخطاء، إلا أنه بالمقابل كانت لـه الكثير من الأقوال والآراء والمواقف الصحيحة أيضاً، ومن ذلك نضاله الدؤوب والمستمر ضد النظام الاستبدادي. فضلاََ عن أنّ والده المرحوم الأستاذ محمد تقي شريعتي كان يدعو ولسنوات مديدة إلى نوع من الانفتاح الفكري الديني المقرون بالنضال، والذي كان الدكتور شريعتي متأثراً به أيضاً.

وعلى أية حال، فإنّ سماحته يرى بأنه لا ينبغي للحوزة العلمية أن تخشى من النظريات الجديدة وتبتعد عنها. كما أنّ علم الفقه والكلام مرهون أساساً بهذه النظريات. إذ إننا بعد القرآن الكريم والحديث لا نملك شيئاً آخر سوى بعض النظريات التي طرحت في الإسلام الواحدة تلو الأُخرى، وتبلورت على ضوئها هذه العلوم والمعارف. فنظرية القياس على سبيل المثال، لم تكن خاصة بأبي حنيفة، بل إنّ عمر وابن مسعود كانوا يؤمنون بالقياس قبله ويفتون في ضوئه، ومن ثم تصدى أبو حنيفة من بين الفقهاء لتطويره، وجعل لـه بعض الموازين والأسس.

وفي البداية انتفضوا ضده، ولكن في نهاية الأمر قَبِلَ أكثرية علماء السنة بنظريته؛ لأنهم وجدوا بأنّ الكثير من المشاكل يمكن حلّها بالقياس.

وكتب ابن رشد في مقدمة كتاب «بداية المجتهد» مؤيداً القياس بقولـه: “إنّ النصوص محدودة واحتياجاتنا غير محدودة ولا يصح استنباط غير المحدود من المحدود، إلا بنوع من التوسع في الأدوات على غرار القياس والرأي”.

أو التعابير التي نستخدمها الآن في باب الاجتهاد. والتي تختلف طبعاً عن القياس، إلا أنها على أية حال تمثل جواباً من فكر العلماء والمحققين، الذين وقفوا بكل قوة في مقابل المدرسة الأخبارية، وفتحوا أبواب الاجتهاد على مصراعيها أمام الحوزات العلمية.

من الفقه المذهبي إلى الفقه الإسلامي العام

للانفتاح والتجديد الفكري قواعد وأُصول معينة، طرحت بشكل أو آخر من قبل المدارس الفكرية. إلا أنَّ للانفتاح والتجديد الفكري للحوزة العلمية بلا شك، اختلافات أساسية من حيث الأُصول، الأسس، والمباني، مع الانفتاح والتجديد الفكري المتعارف. فما هي أُصول التجديد الفكري للحوزة العلمية؟ وما هي القواعد التي يستند إليها التجديد الفكري للحوزة العلمية بالأساس؟
* أرى أن التجديد الفكري للحوزة العلمية ينطلق من قاعدة أساسية، وهي توسيع آفاق الفكر من دائرة التشيع وانطلاقه إلى العالم الإسلامي. وبالشكل الذي يحقق هذا التوسع في مجالات الفقه، الكلام، التأريخ والسياسة أيضاً.

وفي نطاق دائرة التشيع أيضاً، علينا أن نتوجه صوب علماء الشيعة الذين كانوا في السابق من المجددين، مثل: الشيخ الطوسي، فقد ذكرت هذين الموضوعين لدى تناولي سيرة حياته([2]). وقلت هناك بأنّ الشيخ الطوسي وبما استلهمه من أستاذيه الجليلين: الشيخ المفيد والسيد المرتضى، ألّف بعض الكتب التي أنقذ بها الشيعة من الصعوبات والظروف العلمية الصعبة، التي كان يعاني منها قبل هذه المرحلة، على أثر النزعة الأخبارية.

وبإمكانكم أن تقارنوا بين الكتب الفقهية للشيخ الصدوق، مثل: المقنع والهداية، وكتب الشيخ الطوسي لكي يتبين لكم، مدى التحول الذي حصل على يد الشيخ الطوسي في مجال الفقه.

لقد كانت ميزة الشيخ الطوسي، تتمثل في أنه كان مطلعاََ على جميع المذاهب الإسلامية أولاً، وثانياً أنه كان مجدداً. فقد كان يطرح آرائهم ونظرياتهم في كتبه ويتناولها بالنقد، ومن خلال هذا المنهج، تمكن من إيصال المذهب الشيعي إلى العالم الإسلامي.

ومن الذين واصلوا السير على هذا المنهج في الفقه، أُستاذنا الكبير المرحوم آية الله العظمى السيد البروجردي، فقد قام بطبع كتاب (الخلاف) للشيخ الطوسي، في السنة الأُولى من قدومه إلى مدينة قم المقدسة. وما زلت أتذكر، أنه بعد إصدار كتاب الخلاف، قال لي أحد علماء طهران، وهو المرحوم السيد صدر الدين الجزائري، الذي كان له منهج آخر، قال: ما هذا الكتاب الذي قام السيد البروجردي بطبعه؟

لقد كان السيد البروجردي مجدداً كالشيخ الطوسي، وقدم الفقه في مناخات المذاهب الإسلامية، وعلى مستوى العالم الإسلامي، وليس على نطاق الدائرة الشيعية فقط، وإن كان يدعم أقواله بالدليل وبرهان الرأي الشيعي. وكان ذلك يمثل حركة جديدة في كل الأحوال، ولذلك كانت تنطلق بعض الاعتراضات أيضاً على أُسلوبه هذا.

وأتذكر أنه عندما تشرّف في عام 1324هـ.ش/1945م بزيارة مدينة مشهد المقدسة، قال في أحد المجالس: إن الشيخ الطوسي، كتب البعض من كتبه الفقهية للمحيط الشيعي، مثل كتاب (النهاية)، والبعض الآخر للعالم الإسلامي، مثل (الخلاف) و(المبسوط).

مطالعة تاريخية للعلاقات العلمية بين المذاهب

ذكرتم أنّ الشيخ الطوسي نجح في الجمع بين المذهبين الشيعي والسني والجلوس على مائدة واحدة، وأن يقيم بينهما تعاملاً علمياََ في أجواء نقدية بنّاءة، من خلال حركة تجديدية منفتحة تعبر عن مدى حنكته وإبداعه، فهل كانت هناك محاولات سابقة لهذا النمط من التعامل؟
* لقد حدثت بين المذهبين الشيعي والسني وعلى مراحل عدة،صيغ من التعامل العلمي البناء والمؤثر.

المرحلة الأُولى، حدثت في عهد الإمام الصادق(عليه السلام). وذلك أن البعض من تلامذة وأصحاب الإمام(عليه السلام)، كانوا من تلامذة أئمة أهل السنة، وكانوا يحضرون عند الإمام بشكل منتظم، ويطرحون أقوال وآراء أئمة أهل السنة.

وكان الإمام إما أن يوافقهم في الرأي أو يبيّن لهم رأياً جديداً. وعلى سبيل المثال فإن زرارة وعدداً آخر، من الذين كانوا يحضرون عند الإمام(عليه السلام)، كانوا في البدء من تلامذة الإمام أبو حنيفة النعمان. وعندما رأوا مكانة الإمام العلمية والمعنوية، استبصروا، ولازموا الإمام، وكانوا يطرحون الأسئلة تباعاً.

ولكم أن تنظروا إلى الأسئلة العلمية الكثيرة التي كان يطرحها زرارة، فهل بإمكان الشخص العادي أن يسأل هذا الكم من الأسئلة ؟

ولذا يفهم من ذلك بأنه قد تعلمها في مكان آخر. وأكثر الذين كانوا يسألون الإمام(عليه السلام)، إما كانوا من السنة أو من الذين تعلموا المسائل العلمية منهم، فكانوا يأتون ويسألون ويحصلون على رأي الإمام. وهذا النمط من التعامل العلمي، تسبب في إحداث أول حركة تغييرية كبيرة في المذهب الشيعي.

والمرحلة الثانية لهذه الحركة والنشاط التغييري، ظهرت في زمن الشيخ الطوسي. وكما قلت، فإنه ساعد الشيعة على الاطلاع على الأفكار الفقهية للعالم الإسلامي، فاتضحت لنا أدلتهم، وأي منها باطلة وأيها صحيحة؟ ومتى تتطابق مع أدلتنا؟ وما هي الأدلة التي يمكن أن نأخذها عنهم، أو نرفضها؟ ولا نقبل بها.

وما هي أوجه التعامل الممكنة بيننا؟ وكتب& في مقدمة كتاب (المبسوط) يقول: <إنهم يشكلون علينا بأنه ليس لدينا شيء يسمى فقهاً في الحقيقة. وإننا نملك مجرد سلسلة من الأحاديث فقط>.

وكان هذا الإشكال صحيحاً إلى حد ما؛ لأنّ جميع كتبنا كانت في الحديث فقط حتى زمن الشيخ الصدوق وأبيه. وهذين العالمين الجليلين، قاما بحذف سند الأحاديث من كتبهم وأخرجوا عين ألفاظ الأحاديث على هيئة فتاوى. وكتب من بعدهم، الشيخ المفيد والسيد المرتضى، رسائل فقهية على نحو الاجتهاد. ولكن الشيخ الطوسي ألف كتاب (المبسوط) مع التفاصيل والفروع الفقهية.

وكتب في مقدمة نفس هذا الكتاب قائلاً: «يقولون: ليس أمامكم من سبيل لتوسيع الفقه سوى العمل وفق مبدأ القياس، كما فعلنا نحن.

[ ويقول في معرض رده على ذلك: ] وأقول: بأنّ كل المشاكل التي وجدوا لها حلاََ من هذا الطريق، فإنّي أجيب على المسائل عن طريق أدلتنا الفقهية، دون الحاجة إلى القياس».

والحقيقة أن كتاب (المبسوط) هو أول كتاب للشيعة في الفقه المتفرع. والفقه المتفرع يعني أن الحكم الواحد لـه فروع، ولا بد من تبيينها، وهذه الفروع تكون مأخوذة أحياناً عن الأئمة وموجودة في النصوص، والكثير منها غير موجود، لذا يجب استنباطها من العموميات والإطلاقات والمفاهيم، وقام الشيخ الطوسي بهذا الفعل في كتاب (المبسوط) بدون استخدام القياس. وقد بين في الحقيقة طريق الاجتهاد أمام أتباع أهل البيت(عليهم السلام).

ومن جملة مؤلفات الشيخ الأُخر الطوسي في الحديث، كتاب (تهذيب الأحكام)، وهو عبارة عن شرح كتاب (المقنعة) الفقهي للشيخ المفيد، إذ يقول في ذلك الكتاب: ورأيت منذ البداية أن أذكر أحاديث الشيعة وأحاديث السنّة معاََ بخصوص كل مسألة من المسائل. وعندما بدأت رأيت أنّ الكتاب سيطول، لذا اقتصرت على أحاديث الشيعة فقط.

كما أن السيد البروجردي أراد أن ينجز هذا العمل أيضاً. إذ كان سماحته يرى بأنه يجب أن نعرف الأحاديث التي نقلها أهل السنة في الأحكام؛ لأنّ الكثير من الأحاديث التي وصلت إلينا عن أئمة الشيعة×، تتعلق بأحاديث أهل السنة؛ أي إما أنها تصدّقها أو تنفيها.

فإذا لم نعرف أحاديثهم، لن يكون بمقدورنا أن نفهم تفاصيل القضية، وماذا كان يريد الإمام نفيه أو إثباته. وبناء على هذا التصور، قرر سماحته تأليف كتاب (جامع الأحاديث)، فقال في البداية: دوّنوا أحاديث أهل السنة في نهاية كل باب، وشرعنا بالكتابة. وبعد مضي فترة من الزمن قال: هناك من لديه بعض الإشكالات، فلا تكتبوا حتى نرى ما سيؤول إليه الأمر. ومن ثم قال: إذا كتبتم أخشى أن يمتد إشكالهم إلى الغاية من أصل الكتاب.

وعلى أية حال، فإنّ البروجردي، كان يرى أن التعامل الفقهي بين الشيعة والسنة يعد أمراً لازماً، ولكن لم يدعوه من تحقيق ذلك([3]).

واليوم، يجب على العلماء من كلا الفريقين أن يفتحوا باب التعامل الفكري المشترك بينهما فيما يتعلق بالمسائل المستحدثة، التي هي في حالة تزايد مستمر يوما بعد آخر، من اجل إيجاد حلٍّ للمسائل الفقهية الجديدة، وكما هو معمول به الآن في (المجمع الفقهي في جدة)، حيث إنهم يقومون بهذا العمل إلى حدٍّ ما.

 وفق هذه الرؤية التي تمتلكونها عن الانفتاح والتجديد الفكري للحوزة العلمية، كيف تقيمون الوضع الحالي للحوزة العلمية؟
* بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة في إيران، توفرت الأرضية الخصبة لهذا النمط من الاهتمامات؛ ولكن لم يتم في الحوزات العلمية لحد الآن، إنجاز مهم فيما يتعلق بالعالم الإسلامي، المذاهب الإسلامية، الفقه والكلام والتأريخ الإسلامي، ويتطلب الأمر بذل المزيد من الجهود الحثيثة في هذا الإطار.

الموقف من الإصلاح والتجديد

إن كل ما تفضلتم بتوضيحه والتركيز عليه وتشخيصه، تحت عنوان التقارب الإسلامي في مناخ علمي وديني، يمثل أحد أوجه الانفتاح والتجديد الفكري الديني، والذي يجب أن يتحقق وأن تبادر المدارس والجامعات الدينية إلى التحرك باتجاهه، والتخطيط لـه بشكل دقيق ومدروس، لكي تؤتي هذه الخطوات أُكُلها.

ولكن فيما يتعلق بالأوجه الأخرى لهذه القضية من قبيل: العقلانية الدينية، حركة الإصلاح الديني، نزعة التجديد… وغيرها من القضايا، يا حبذا لو تفضلتم بتبيين رؤيتكم بهذا الخصوص، وهل يا ترى تمكنت الحوزات الدينية من السير في هذا الاتجاه برأي سماحتكم؟ وما هي الأخطار والأزمات المحدقة التي تواجهها في هذا المسار، والتي ينبغي لها أن ترصدها بشكل واعي وتتجنب الوقوع في شراكها.

فيما يتعلق بهذه القضايا، فقد تحققت، ولله الحمد، خطوات واعدة في هذا الاتجاه في الحوزة العلمية. ولكن ينبغي على المشايخ والعلماء، تقصي الأخطار الموجودة في هذا الطريق وتشخيصها جيداََ، لكي نتجاوزها ولا نتأثر بها سلباََ.

ولكن مما يؤسف لـه أن البعض ـ وأكثرهم من غير المشايخ وطلبة العلوم الدينية ـ يتحدثون ببعض الأفكار التي لا تنسجم مع الفكر الإسلامي وثوابتنا الاجتماعية والثقافية، وباسم الإسلام، متأثرين بالعالم المسيحي والأحداث التي حصلت هناك.

إذ لا ينبغي أن نتداول أي رأي أو قول يطرح في الثقافة المعاصرة للغرب المسيحي، ويحمل لوناً ومسحة إسلامية، ونقدمه على أنه نظرية إسلامية، بدون تأمل ودراسة صحيحة. وكما سبق وأن أوضحت وقلت، فإنّ مفكراً مثل الشهيد المطهري هو أنموذج للمثقف المعتدل. ولدينا الآن أشخاص مثل سماحة الشيخ جوادي آملي، لا بدّ من الرجوع إليهم؛ لكي يتم طرح هذه المسائل المتعلقة بالانفتاح والتجديد الفكري، بصورة معمقة وصحيحة في أجواء الحوزة العلمية.

الدين، الفقه والعقلانية

ما هو رأيكم بالمنهج العقلي؟ وكيف تتبلور العقلانية الفقهية؟ بمعنى إلى أيّ مدى يتمكن الفقيه، من تسخير هذا العنصر، والاستفادة منه في مجال الفقه والفقاهة؟
العقل والمنهج العقلي بمعناهما الصحيح، هو ما كانت تقول به المعتزلة. وكان أهل السنة يقفون بإزاء المعتزلة في هذا الرأي؛ لأنهم كانوا يعتمدون على الحديث في الأغلب، ويرجعون إلى الحديث فقط في كل موضوع. وأما بالنسبة للشيعة فهم يعتقدون بأنه يجب إقحام العقل في جميع المسائل من قبيل: التوحيد، المعاد، بل وحتى في الفقه؛ إذ كان فقهاء الشيعة يقولون بالاجتهاد، ويستخدمون العقل في استنباط الأحكام.

وقد التزم أئمة الشيعة (عليهم السلام) جانب العقل، استناداً إلى توجيهات القرآن الكريم في هذا الخصوص. ولكنهم يختلفون مع المعتزلة في المسائل الجزئية، وإن كانوا يتفقون معهم من حيث المبدأ على ضرورة استخدام العقل: أما أن يقول القائل: عليَّ بالقرآن والحديث وحسب ولا حاجة لي بالعقل، فهذا رأي غير صائب، بل إنه يتعارض مع تعاليم القرآن الكريم وما يعطيه من مكانة سامية وقيمة عليا للعقل، ويتقاطع معها، كقولـه تعالى: {أَفَلا تَتَفكّرونّ}، {أَفَلا تَعقِلونّ}.

آفة ترك السنّة النبويّة الموجودة في كتب أهل السنة !!

 أشرتم خلال حديثكم، إلى بعض جوانب الإخفاق للحوزة العلمية في مجال الانفتاح الفكري مع قضية التقارب الإسلامي والمذهبي، ما هي العوائق والموانع الموجود في هذا المجال، والتي ترون وجوب إزالتها بحكمة ورؤية شاملة؟
أكبر مانع فكري لهذا النوع من الانفتاح الفكري، يتمثل في الجمود على العترة والقول بالقرآن والعترة، وعدم الاعتراف بالسنّة التي نقلها أهل السنة في كتبهم عن رسول الله ’.

من هنا، فإنّ عدم الاعتراف بالسنة المتداولة بين أهل السنة الآن، والموجودة في كتبهم، بحجة أن لدينا العترة وهي تغنينا عن السنة، يعد جموداََ فكرياََ، والمانع الفكري الأول في نطاق الفقه.

لعل تأكيد فقهاء الشيعة على (العترة)، ينطلق من أن لفظة «عترتي» قد وردت في حديث النبي الأكرم ’، وكذلك قول الأئمة في الكثير من الروايات بأنَّ كل ما نقوله إنما هو عن رسول الله’. أي عندما يتحدث الإمام الصادق(عليه السلام) بحديث ما، فإنه ينسبه إلى آبائه، عن رسول الله’. وهذا أفضل، وأنقى، وأسلم طريق يسلكه الأئمة للوصول إلى مصدر الحديث وسيرة رسول الله ’.

من المؤكد أيضاً أن لفظتي: «سنتي» و «عترتي» ورد كلاهما في الرواية. ففي كتاب الكافي وفي باب العلم والعالم، يذكر الكليني، بابا بعنوان (باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب)، ويذكر فيه جملة من الأحاديث التي تقول بأنّ سنّة النبي’ كالقرآن، تعد معياراً في رد وقبول الأشياء التي تنسب إلى الدين([4]).

والأمر الآخر، ما يقولـه فقهاؤنا: بأنّ مصادر التشريع أربعة، وهي: الكتاب، والسُنَّة، والإجماع والعقل. كما أنّ كلمة سنَّة قد وردت كثيراََ في الكتب والنصوص الفقهية أيضاََ. ومرادنا من السنَّة هي السنة التي نقلت عن النبي ’ بشكل مباشر، والسنة التي وصلت عن طريق الأئمة^ أيضاََ.

فنحن نقول بأنّ كلاهما من سنة النبي. ولكن تجدر الإشارة إلى أن أهل السنة أيضاً، آل أمرهم إلى الجمود والانحراف، خاصة وأنهم وقفوا على السنّة التي نقلت عن النبي| من قبل الصحابة مباشرةََ، ولا شأن لهم بالأحاديث الواردة عن أهل البيت(عليهم السلام).

ومن إحدى الخطوات الفكرية الواعية التي أُنجزت من قبل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والفقهاء من بعدهم في مجال الفقه، بهدف إزالة جدران الفصل بين الفقه الشيعي والسني، وإيجاد حالة التناغم والتشابه بينهما، تمثلت في قيامهم بإدخال أدلتهم الفقهية الأربعة في الفقه الشيعي، كما استخدموا نفس الألفاظ بهدف تحقيق المزيد من التماثل بينهما، ولكن فيما يتعلق بالمعنى، فقد أخذوا بعين الاعتبار المعنى المقبول في الفقه الشيعي.

إذ لم يكن لدينا في الفقه دليل باسم الإجماع، فجاؤوا به، ولكن بالمعنى الذي يحاكي رأي المعصوم× وليس الإجماع بنفسه فقط. وكذا الحال بالنسبة للقياس الذي كان عندهم، فجاؤوا بالعقل بدلاً عنه، وبمعنى توسيع دائرة الفكر في ظل النصوص.

وكل ما سبق قولـه يتعلق بدائرة الفقه، وأما فيما يتعلق بالمسائل الكلامية، فقد كانت لدينا في السابق الكثير من المناقشات والمناظرات، والآن أيضاً يجب أن تتواصل الحوارات والمناقشات المفتوحة والحرة وبأي شكل من الأشكال، بعيداََ عن تجاذبات الحب والكره لهذا الطرف أو ذاك، والعمل على توضيح النقاط المشتركة ونقاط الخلاف بشكل جيد.

ولا بد لي هنا من التذكير بأنّ للموانع الفكرية وجوهاً متعددة، وعلى سبيل المثال، هناك من يحدد دائرة تفكيره بأُستاذ معين، ويوافق على كل ما يقولـه ذلك الأُستاذ معتبراََ ذلك من الأمور اليقينية والمسلم بها. وآخر يحدد تفكيره برؤية فلسفية خاصة، مثل فلسفة الملا صدرا، أو نظرية ورأي فقيه معين … وإلى غير ذلك من قبيل هذه الأمور، وهذه كلها تحديدات وموانع فكرية.

وبما أننا اليوم نتحمل مسؤولية المحافظة على الدين والمذهب، وأن للأديان حدوداً معينة للحق والباطل، يجب علينا في نفس الوقت، أن نوسع دائرة تفكيرنا وننطلق إلى فضاء الإسلام الواسع الرحب، الذي يمتد إلى ما وراء النظريات والأشخاص.

وصايا وتوجيهات

كما تعلمون سماحة الشيخ، فإنّ إقبال المشايخ الآن على المؤتمرات والحوارات العلمية، والفكرية والثقافية، أخذ طابعاً جادّاََ، ومن هذا المنطلق تقام في المراكز العلمية والتحقيقية للحوزة العلمية، ندوات علمية ـ متخصصة قيّمة. وهذه المؤتمرات تختص بالتقارير الكلامية، وهناك أفراداً يحملون أفكاراً شتى يجدون في هذه المؤتمرات فرصة ومجالاً مناسباً، للحوار وطرح آرائهم وأفكارهم، وبالذات من تلك الزاوية التي تنظرون منها لموضوع الانفتاح والتجديد الفكري،

وهذه المؤتمرات عبارة عن ورش عمل علمية للحرية الفكرية، وسعة الصدر وتحمل الرأي المخالف وعرض أساليب التعامل والتعاطي بين الآراء، ووجهات النظر، والمدارس الفكرية وما يمثل في الواقع مقدمات الانفتاح الفكري للحوزة العلمية. فلو كانت لديكم ملاحظات أو إرشادات معينة لهذه الحركة الواعية للحوزة العلمية، ياحبذا لو تفضلتم بها.

وصيتي هي أن الانفتاح الفكري يجب أن يكون مقروناً بالتقوى. فلا يظن الشخص المثقف بأنه ليس بحاجة للتقوى. بل إن التقوى والالتزام بالأحكام والقيم الدينية، أمرٌ مطلوب دائماََ. وقد بدأ الانفتاح الفكري الديني في القرون المعاصرة بالسيد جمال الدين الأسدآبادي (الأفغاني)، وواصل مسيرته بأفراد كالشيخ محمد عبده وكاشف الغطاء وآخرين.

وفي نفس الوقت الذي كان فيه هؤلاء يسيرون على هذا النهج، كانوا أيضاً على درجة عالية من التقوى. وكان الشهيد المطهري يمثل أنموذجاً بارزاََ للإنسان المثقف في زماننا. وعلى الرغم من أنه كان على درجة عالية من الوعي والانفتاح، كان في قمة التقوى أيضاََ.

ويجب أن نعلم أن القرآن الكريم يأمرنا بالاعتصام بحبل الوحدة والتقوى أيضاً، يقول تعالى: {يا أَيُها الَذينَّ آمنوا اتّقوا اللّه حَقَّ تًقاتِهِ وَلا تَموتَنَّ إلا وَأَنتُم مُسلِمُون وَأعتَصِمُوا بِحَبل اللّهِ جَميعاً وَلا تَفَرقوا} (آل عمران: 102).

إن ما تحدثنا عنه يرتبط بالانفتاح الفكري للحوزة العلمية، وأما فيما يتعلق بالانفتاح الفكري للجامعات والمسؤولين والشخصيات الثقافية، فإنني أُوصيهم بأن يكونوا على دراية تامة بأوضاع وأحوال العالم، والانجازات العلمية والصناعية والتطورات السياسية، لكي ينظر إليهم على أنهم مثقفون.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين وسلام على المرسلين.

الهوامش

(*) فقيه وعالم دين بارز، من تلامذة الإمام البروجردي، ومن منظري التقريب بين المذاهب، أثارت أفكاره أكثر من جدل في إيران.
([1]) راجع: المجلة الفصلية العلمية لدراسات فكرة الثورة الإسلمية، العدد1، مقالة: «الإمام الخميني، ونظرية عالمية الثورة الإسلامية»، الأستاذ محمد واعظ زاده الخراساني.
([2]) هذه الاشتباكات، حصلت مرتين على الأقل:
مرة في القرن الثالث والرابع عندما سيطر الفاطميون على بلاد المغرب. وحصلت في ذلك الوقت اشتباكات بينهم باعتبارهم شيعة، وبين الدولة الأموية في الأندلس. (تاريخ وتمدن مغرب، تأليف الدكتور حسين مونس، ترجمة حميد رضا شيخي 372:1).
والمرة الثانية في عهد الأسرة الحمودية، وهم من أعقاب الأدارسة المغاربة ومن أولاد إدريس بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي (عليهما السلام)، فقد كانت ميولهم شيعية، على الرغم من كونهم سنة، إذ تمكن عدد منهم من السيطرة على ثلاث من مدن الأندلس هي: قرطبة، ملقه، والجزيرة الخضراء، من عام 407 إلى 499هجرية.الدكتور إبراهيم آيتي (تاريخ حكومت مسلمين در اروبا: 121).
([3]) رجال الكشي، سيرة زرارة.
([4]) ذكرت هذه المواضيع بشكل مفصل في كتاب (زندكاني آيت الله العظمى بروجردي).

مصدر: الإجتهاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *