الأربعاء , 12 ديسمبر 2018

بيان مدير حوزة خراسان العلمية حول الظروف الإقتصادية الأخيرة في البلاد

أصدر مدير حوزة خراسان العلمية آية الله سيد مصباح العاملي بياناً شرح فيه الظروف و الأوضاع الإقتصادية الأخيرة في البلاد.

وهذا هو نص بيان مدير حوزة خراسان العلمية:

نص بيان مدير حوزة خراسان العلمية حول ظروف البلاد الإقتصادية

بسم الله الرحمن الرحيم. نظراً للظروف الإقتصادية والسياسية المعقّدة التي تمرّ بها المنطقة وتركيز الإستكبار العالمي الذي لا سابق له على انهيار نظام الجمهورية الاسلامية الإيرانية عن طريق توجيه ضربة للأعمدة الإقتصادية الأساسية في البلاد، و في ضوء الرسالة التاريخية لرجال الدين الذين كانوا دائماً إلى جانب الناس في كافة المراحل التاريخية الحرجة التي مرت بها البلاد، فإن حوزة خراسان العلمية العريقة تجد من الواجب عليها من باب النّصح لأئمة المسلمين ولعب دورها باعتبارها لسان الناس الناطق وخاصة الطبقات الفقيرة المحبّة للنظام الاسلامي، والسلطات الثلاثة لاسيما المدراء التنفيذيين للإقتصاد في البلاد أن تذكّر ببعض النقاط.

إن التهاب السوق الحاد، معدل البطالة المرتفع، تعطيل قسم كبير من الإمكانيات في قطاع الصناعة، أزمة التأمين الاجتماعي و ندرة السيولة في قطاع الصناعات التحويلية رغم الزيادة غير المسبوقة في حجمها في النظام المصرفي بسبب الفوائد المرتفعة للبنوك، هي جزء من المشاكل العميقة المتأصّلة التي يرجع معظمها إلى الهياكل الاقتصادية القديمة للبلاد.

لكن هذا لم يمنع الحكومة من محاولة تحسين الوضع الراهن، ولو أن الحكومات المحترمة طوال الأعوام الماضية كانت تلتزم بالشعارات الإقتصادية التي كان يطلقها سماحة قائد الثورة الاسلامية كل عام، وكانوا يعملون على تشكيل غرفة قيادة اقتصادية مقاومة لمتابعتها لكنا اليوم بالفعل في وضع أفضل مما نحن عليه الآن. في غضون ذلك توسعت غرفة حرب الأعداء الموجهة ضد الشعب الإيراني في الولايات المتحدة الأمريكية لتتحول إلى منظمة تضم أكثر من مائة خبير وهذا يدل على عمق عدائهم للنظام الاسلامي، و إضفاء الطابع المؤسسي على مشروع الإطاحة بالثورة الاسلامية المدرج على جدول أعمالهم.

إنّ تجربة الإتفاق النووي القابلة للتأمّل قد أظهرت أنّ النظر إلى الخارج ليس هو النهج الذي يصلح هياكلنا الإقتصادية الناقصة، وثانياً ليست فرصة يضعها العدو بسخاء بين أيدينا. على مرّ التاريخ كان الإعتماد على القوة و القدرات المحلية والثقة بالنفس الوطنية هي التي غيّرت مصير الأمم، والتحريض ثنائي القطب لمحادثات الحرب التي كانت تُغذّى للأسف من قبل مجموعة من المسؤولين لم تكن سوى مطلب للعدو، لتخيّم بذلك روح من اليأس  والإحباط على الشعب؛ بينما يعتقد معظم الخبراء أن االأسباب الجذرية للمشاكل هي سوء الإدارة الداخلية و العقوبات الذاتية و عدم الاهتمام بالآراء الناقدة.

إنّ الثورة الاسلامية اليوم كما قال سماحة قائد الثورة الاسلامية أمام منعطف تاريخي، وعدم الإهتمام بجذور المشاكل و الإكتفاء بالإجراءات المرحلية و القصيرة المدة يمكن أن تعيد إحياء الطمع لدى الأعداء بالإنتصار في هذه الحرب الإقتصادية. لذلك فإن الأمر يتعلق بواضعي السياسات الإقتصادية في البلاد أن يحشدوا مجموعة تدابيرهم للقضاء على الضرر الأساسي الذي يهدد النظام الاسلامي المقدس:

1) إصلاح النظام النقدي و المصرفي الذي هو في حد ذاته السبب الأساسي للخسائر الإقتصادية في البلاد، بما في ذلك نمو السيولة، تشكل الإنهيار النقدي، عدم توفر السيولة النقدية لقسم الإقتصاد والإنتاج الحقيقي،  الزيادة المدهشة في التأخّر البنكي، إيصال النظام المصرفي إلى حافة الإفلاس، عدم المشاركة الحقيقية و في النهاية الأداء الربوي لهذا النظام.

2) الإهتمام مجدداً بشعبية الإقتصاد و الخصخصة الحقيقية له مع تفعيل السياسات التي أعلن عنها سماحة قائد الثورة الاسلامية فيما يخص الأصل 44 من الدستور والإستفادة من السوابق التاريخية للدول التي تمتلك سجلاص ناجحاص في هذا المجال، و عدم تكرار أخطاء الحكومات السابقة التي خلقت من خلال الخصخصة الناقصة و غير الكاملة الأرضية لانتشار الفساد في اقتصاد البلاد.

3)       العمل على  قطع اعتماد البلاد على العائدات النفطية الذي كان بدوره السبب الرئيسي لفشل الحكومة وعدم كفاءتها وإغراقها في مختلف مجالات العمل و سبل معيشة الناس. ومن المؤكد أنه مع العمل الخبير والاهتمام بالنماذج الإسلامية الأصلية وكذلك التجارب الأخرى للبلدان ذات الموارد الطبيعية، يمكن إيجاد استراتيجيات فعالة لهذا الغرض.

4)       إصلاح النظام الضريبي، والذي للأسف يقع عبؤه في الوقت الحالي على كاهل الطبقات الفقيرة مثل أصحاب الرواتب الثابتة و القطاعات الإنتاجية في الإقتصاد. من الضروري للحكومة أن توسّع القاعدة الضريبية على الطبقات ذات الدخل المرتفع الذين لا يدفعون الآن أية ضرائب، مما يوفر العدالة الضريبية، و بالتالي سيساعد في الحفاظ على الإنتاج ويمنع من تسرّب السيولة المتجولة و يقوم بإدارتها.

5) إعادة النظر بشكل جاد وأساسي في نظام الضمان الإجتماعي للبلاد، والذي ظهرت علاماته على أنه أزمة في دفع مبالغ هائلة من ميزانية الدولة إلى صناديق التقاعد، بالإضافة إلى ذلك فإن تغيير نمط الهرم التقليدي للبلاد والذ أصبح يشكل تهديداً حقيقياً قد أثار قلق الخبراء في هذا المجال.

6) الحاجة إلى إدارة قوية ومركزة مع استخدام تقنيات جديدة لإدارة أزمة المياه فيما يتعلق بتغير المناخ والانخفاض الشديد في الهطولات المطرية   وعدم وجود طرق مناسبة لاستخدام الموارد المائية في القطاع الزراعي، مما أدى إلى مخاطر الكوارث الاجتماعية والإقليمية، ويمكن أن يؤدي الإهمال تجاهها إلى تعميق الظلم في توزيع الموارد المائية وتصريف الأراضي في الأجزاء الحساسة من البلد وتهديد الأمن القومي.

في ضوء المشاكل الهيكلية والعميقة المذكورة أعلاه، من الضروري أن يتم اتخاذ التدابير العاجلة التالية على جدول أعمال القوى الثلاث  ولا سيما الحكومة المحترمة:

‌أ. تجنّب نمو السيولة المفرط والذي يرتفع حالياً بأسعار فائدة مرتفعة. ولتجنّب الأثر المدمّر لفيضان السيولة النقدية الموجود و توجيهه نحو القسم الإنتاجي من الإقتصاد، من الضروري أن تقوم الحكومة من خلال تبني إجراءات، بمنع دخول هذا الحجم من السيولة إلى الأسواق الوسيطة وتوفير الأرضيات الضرورية للأسواق المالية والقطاع الحقيقي للاقتصاد.

‌ب. مما لا شك فيه أن جزءًا كبيرًا من الالتهاب الاقتصادي الأخير ينبع من قضية العملة نفسها المتأصلة في إهمال وعدم قدرة الحكومة والحكومات السابقة على تخفيف اعتماد التجارة على الدولار الأمريكي وتنويع سلة عملات البلاد. لذلك فإن التوجه نحو العقود النقدية و التجارية الثنائية و المتعددة هو أمر ضروري بالنسبة لبلد يقارع في مختلف المناسبات غطرسة الإستكبار العالمي ويسعى من أجل كرامته و استقلاله، و أحد تلك البدائل استخدام نظام السويفت البديل الذي قامت بتجربته دول مثل الصين و روسيا. من جهة أخرى  فإن تشكيل السوق الثانوي للعملة و خلق إمكانية الإيداع بالعملة الصعبة من متطلبات مقاومة هذا السوق في وجه تقلبات العملة الصعبة، في غضون ذلك تعتبر الإدارة الصحيحة لسوق الصرف الأجنبي وتوزيعه على قطاع الاحتياجات الحقيقية والسلع الأساسية مسألة مهمة تم التأكيد عليها في الحزمة الجديدة للسياسة النقدية و العملات.

‌ج. الاهتمام الجديد و الجدي بمبادئ المادة 44 التي أعلنها سماحة قائد الثورة الاسلامية  مع استمرار الخصخصة، ولكن في الطريق الصحيح  بما يتماشى مع الشفافية في جميع مجالات الحكومة بما في ذلك الشفافية في دخل وثروة موظفي القطاع العام والشركات المملوكة للدولة، مما يضمن ثقة الناس في مديريهم ويضمن دعمهم على المدى الطويل للنظام.

‌د. على الرغم من أن الالتهاب المزيف والسريع في السوق، بالإضافة إلى المناخ النفسي الناجم عن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، وسياسات النقد والعملات للحكومة كانت غير مناسبة في مكانها؛ إلّا أن الرقابة الحكومية لمنع عدم استقرار السوق، ومنع استغلال المستفيدين واصطيادهم في الماء العكر والزيادة غير المنطقية في الأسعار بذريعة تغيّر سعر صرف العملة هو مسؤولية هامة يجب الإلتزام بها، كما أنها ترمم سوء إدارة الحكومة في مجال النقد و العملات. تجدر الإشارة إلى أن الإهتمام بالقدرة العظيمة للنقابات للتصدي لهذا الأمر سيكون تدبيراً ناجعاً و مؤثراً و ضرورياً.

في الختام فإن الشيء الموجود في هذه الظروف حيث أقسم أعداء الثورة على استعمال كل طاقاتهم العلمية- الإستخباراتية و الإقتصادية لتدمير اقتصاد البلاد، قد أحيا أمل الشعب في تحسين الوضع الموجود، و إعادة تنظيم الفريق الاقتصادي الحكومي وتماسكه لتنفيذ هذه الإصلاحات، إلى جانب التصميم الجاد للسلطات الثلاث على اتخاذ قرارات قضائية واضحة وحازمة مع المجرمين و المخلين الإقتصاديين و الدلالين. إنّ ما يزيد من صبر شعبنا الشريف في تحمل الظروف الحالية و العبور من هذا المنعطف الخطير و التاريخي هو تعاطف المسؤولين مع طبقات الشعب خاصة الطبقة الفقيرة منه، و الإبتعاد عن المظاهر والأرستقراطية. اليوم، أصبح الأداء الاقتصادي للدولة مؤشرا على كفاءة الثورة والنظام، و هذا الأمر يضاعف من مسؤولية المسؤولين في متابعة الأمور. لأن شعبنا العظيم قد أثبت في مراحل خطيرة أنه وفي لأصل النظام، وكان يتابع مطالبه النقابية و المعيشية بالطرق القانونية و السلمية، وأن انتقاداتهم لن يكون لها معنى سوى الخير للمسؤولين الذين يتفانون في خدمة البلاد.

و السلام علی من اتبع الهدی

مدير حوزة خراسان العلمية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *