الأربعاء , 21 نوفمبر 2018

بيان من مدير حوزة خراسان العلمية حول لائحة انضمام إيران إلى معاهدة مكافحة تمويل الارهاب CFT

قام آية الله سيد مصباح عاملي  مدير حوزة خراسان العلمية في بيان مفصل بشرح موقف حوزة خراسان العلمية من مشروع قرار انضمام إيران لمعاهدة مكافحة تمويل الإرهاب. وفيما يلي نص هذا البيان:

بسم الله الرحمن الرحيم

بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والسياسية الحالية للبلاد في الوقت الراهن – بين الجولتين الأولى والثانية من العقوبات الأمريكية بعد الاتفاق النووي – وطلب الحكومة الموافقة على مشروعات مجموعة العمل المالي الأربعة لتوفير قناة لتبادل العملات الأوروبية  ومشروع قانون مكافحة تمويل الإرهاب الذي وافق عليه أعضاء مجلس الشورى الاسلامي، فإن حوزة خراسان العلمية ونظراً لمكانتها التاريخية باعتبارها اللسان الناطق للناس، ترى من الواجب عليها أن تبيّن بعض النقاط لتنبيه أصحاب القرار في السلطات الثلاثة وبقية المؤسسات الأخرى حول لائحة قانون مكافحة تمويل الإرهاب CFT

الف. الجانب السياسي للاتفاقيات خاصة CFT

1. ما يجب اعتباره إستراتيجية وإيمانًا فكرياً بالموافقة والمصادقة على أي اتفاقية أو معاهدة دولية هو عنصر معرفة العدو وأصل ودافع المصممين الأصليين لتلك المعاهدة ، وقد بيّن سءماحة قائد الثورة الاسلامية ذلك بشكل جيد: «في البداية تتم مناقشة هذه المعاهدات والتباحث فيها في غرف فكر القوى الكبرى التي تركز على تأمين مصالحها ومن ثم مع انضمام الدول المتماشية أو التابعة لها تظهر تلك المعاهدات على أنها دولية…بحيث أنه إذا قام بلد مستقل مثل إيران برفضها يقومون بمهاجمته هجوماً شديداً.»

2. وتجدر الإشارة إلى أن الاعتماد على عائدات النفط وضعف الهياكل الاقتصادية سيحفز على الهضم في النماذج العالمية، وبالتالي فإن اعتماد قواعد اللعبة سيكون نماذج عالمية، وهي قواعد الرابح الأكبر فيها هي الاقتصاديات الكبرى في العالم، ولن يكون لدولة مثل إيران بسهمها القليل من التجارة العالمية أي دور في تصميم قواعد هذه النماذج. من البديهي أن تغيير هذا الوضع القائم سيكون ممكناً من خلال الإيمان والتصديق العميق بالقدرات المحلية و فعالية فكرة الاقتصاد المقاوم باعتباره حلاً قصير المدة وطويل المدة، وأن نقوم بتعزيز البنى الإقتصادية المتضررة؛ وأن نحول الإستراتيجيات الموجودة على الصعيد العسكري للبلاد، والأهداف التي لا يمكن الوصول إليها إلى واقع ملموس؛ وأن نحول إيران في هذا المجال إلى عنصر أساسي في المنطقة وفي المناسبات الدولية.

3. من المهم تذكير بعض النخب السياسية بأن مساومة الدول الأوروبية والرغبة في الاستمرار في الاتفاق النووي بدون أمريكا لا تستند إلى منظور اقتصادي بحت، لأنه حسب الحجم الصغير للتجارة في هذه الدول مع إيران ، فإن تأكيدهم على استمرار هذه العلاقة المتبادلة على ما يبدو مع إرادة الولايات المتحدة يعكس دافعهم الجدي لتقييد وإدارة تهديد النفوذ العسكري والسياسي الإيراني في المنطقة لمصالحهم على المدى الطويل؛ لذلك فإن الإنجاز الذي يجب على الجميع حمايته والمحافظة عليه، وأيّ ضرر يلحق به تحت أي ظرف ومهما كانت النوايا  والأدوات سيعتبر خيانة واضحة.

4. لقد أظهرت تجربة الاقتصادات الناشئة والبلدان التي وصلت إلى حدود التنمية أنه في حين أن هذه البلدان ليس لديها أي تناقضات إيديولوجية مع العالم الغربي، من أجل تحقيق المزيد من التقدم والاستقرار، والهرب من التهديدات المحتملة والفعلية للهيمنة الأمريكية والأوروبية ، فقد خلصوا إلى نتيجة مفادها أنهم تخلوا عن الاعتماد على المؤسسات التابعة لأمريكا وأوروبا الغربية، وقاموا بتشكيل النقابات النقدية والمعاهدات الاقتصادية الإقليمية و الدولية، في الوقت الذي يحاول فيه بعض صانعي السياسة  باستمرار دمج بلدنا وتهيئته، والذي هو من منظور إيديولوجي في صراع مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية ، في العلاقات المالية والاقتصادية الأوروبية والدولية ، وهو أمر يتعارض مع المصالح الوطنية للبلد ، وفي الوقت نفسه فإنه يهدد باستقلال البلاد وقدرتها على الصمود يزيد من تبعيتها و يلحق الضرر بالاقتصاد الوطني.

ب. نقاط حول أساسيات CFT

۱.لقد مضى حوالي عقدين على عدم الانضمام إلى معاهدة مكافحة تمويل الارهاب، ولم يستطع عدم الانضمام إلى هذه المعاهدة خلق مشاكل تذكر لعائدات النفط و الصادرات غير النفطية الإيرانية. السبب الذي أدى لخلق معضلات أساسية هو العقوبات الأمريكية والأوروبية، وفي هذا السياق كان حظر الدولار الأمريكي الذي يستمر القسم الأعظم منه في العقوبات الثانوية؛ والإنضمام إلى معاهدة CFT على أمل الوعود الأوروبية مجانب للواقع الذي نعيشه وللتجارب الماضية..

2.إن بعض العقوبات الذاتية لبعض البنوك المحلية والتي بدأت منذ عام 2016 وإشعاراتعا الرسمية التي تؤيد ذلك، هي أول دليل  على ضرورة الفحص الدقيق و تحليل نفقات و فائدة هذا الانضمام. ظاهرة فظيعة إذا ما حدثت ستكون عقبة أمام إدارة العقوبات الثانوية الأمريكية وردة فعل سلبية على سوق الاستثمار بالنسبة للموافقة على CFT في الأيام الأخيرة يمكن التحقق منه بسهولة.

3-يجب أن نعترف طالما أن سلوك الجمهورية الاسلامية الايرانية قائم على أساس مقارعة الظلم وعدم التوافق مع القوى الاستكبارية و الدفاع عن حقوق الشعوب الحرة، فإن القوى الأمريكية و الأوروبية وأذنابهم كانت وستكون دائماً في حالة وضع العقبات والذرائع، ومع إلمامهم الشامل بجميع قدرات هذه المعاهدة، فسيستخدمونها كأداة للهيمة أكثر في مجال عقوبات حقوق الانسان والإرهاب وغيرها. يبدو أن النظرة المتفائلة للموافقين على الانضمام هي أنهم يرونها أداة لتخفيف الضغوط عن الجمهورية الاسلامية الايرانية وهذا سيتحقق على المدى الطويل؛ على الرغم من أنه يمكن أن يكون لها مثل الاتفاق النووي آثار نفسية قصيرة المدى في السوق وبين طبقات الناس.

ج. نقاط فنية حول CFT

1.بحسب القاعدة الفقهية نفي السبيل المستندة إلى الآية 141 من سورة النساء في القرآن الكريم، وفي الأصل 153 من دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية نرى بشكل واضح وجلي أنّ « يحظر أي عقد يتسبب في هيمنة أجنبية على الموارد الطبيعية والاقتصادية والثقافة والجيش وغير ذلك من أشكال الدولة.» على هذا الاساس وفي حال أدت العضوية في معاهدات مثل CFT إلى رصد الأنشطة الاقتصادية و السياسية للبلاد، فإن مثل هذه العضوية سترمي البلاد في مخاطر عديدة، فهي من الناحية الشرعية والقانونية ممنوعة ولا اعتبار لها. لا شك أن الفحص الدقيق للآليات والطرق المرتبطة بمجموعات العمل FATF والوثائق المتعلقة بمعاهدة  CFT ويمكن أن يساعد صانعي القرار، بما في ذلك الجمعية الاستشارية الإسلامية ومجلس صيانة الدستور ، على اتخاذ القرارات المناسبة في هذا الصدد.

2. في هذه المرحلة التشريعية قام مجلس الشورى الاسلامي بالموافقة على مشروع قرار عضوية الجمهورية الاسلامية الايرانية في الاتفاقية الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب CFT  مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي أدت للموافقة. إن مبدأ وضع شروط و على الرغم من كونه حلاً للعضوية في عدد أكبر من البلدان ، هو أمر متعارف في معظم المعاهدات الدولية ، إلا أن فعالية هذا الحل ما دام يتماشى مع الأهداف و الغايات الأساسية للمعاهدة .  إن استخدام المعايير المزدوجة والسياسية للدول الغربية وخاصة الأمريكية في موضوع الإرهاب، هو أهم عائق لتشريك مساعي الدول المؤمنة بشكل جدي بمحاربة الارهاب الغربي بشكل صادق.

3. ورغم أن جمهورية إيران الإسلامية قد أثبتت التزامها الجاد بمكافحة الإرهاب بأشكاله المختلفة، لا سيما في الأحداث الأخيرة في العراق وسوريا، إلا أنه في نفس الوقت هناك تباينات جادة في وجهات النظر في تفسير مفهوم الارهاب ومصاديقه بين النهج الإيراني والنهج الأوروبي في تعريف الإرهاب. المثال البارز على ذلك هو هذه الاختلافات حول المقاومة ضد الاحتلال و الهيمنة. لا تكتفي الجمهورية الاسلامية الايرانية بأنها لا تعتبر النضال الشعبي المشروع ضد الاستعمار و الاحتلال الأجنبي عملاً إرهابياً، بل تعتبر نفسها مسؤولة بناءاً على الأسس الشرعية والقانونية وبالإعتماد على المباديء البشرية، عن دعم حركات المقاومة. بينما نرى أن بعض الدول الغربية لديها نهج مختلف؛ فبينما تقوم بدعم الأعمال الإرهابية وغير الإنسانية للكيان الصهيوني، نراها تعتبر مجموعات المقاومة مثل حزب الله اللبناني وحماس في عداد المجموعات  الارهابية. على الرغم من أن وجهات النظر الإيرانية حول مشروع قانون مكافحة جرائم الإرهاب تم التعبير عنها بوضوح في شروط البرلمان، وفي الوقت نفسه فإن تلك التباينات يمكن أن تكون عائقاً أمام استفادة إيران المحتملة من العضوية في CFT والوثائق الأخرى المشابهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يخلق تحديات أمام الدعم المادي و المعنوي الإيراني لحركات المقاومة.

4.إن ما يُلاحظ في قانون مكافحة تمويل الإرهاب وهو محل تأمل، تشويه السياسات الكلية للنظام بخصوص الاقتصاد المقاوم والأمن الوطني من مختلف الجوانب المالية، والعسكرية والاستخباراتية. هذه المسألة يمكن لها بموجب الأصل 110 من الدستور أن تثير تساؤلات حول صحة مشروع القانون.

5-أحد الالتزامات التي تم التأكيد عليها في المواد 12 إلى 14 من هذه المعاهدة هي عدم إمكانية رفض المعاضدة القانونية مع الدول العضو في حال طلبت ذلك. يجب أن يأخذ المراجعون للمعاهدة بعين الاعتبار أنه في حال العضوية الكاملة للكيان الصهيوني في هذه المعاهدة، فإن عدم الاعتراف رسمياً باسرائيل من قبل الجمهورية الاسلامية الايرانية لا يمكن أن يمنع بسهولة التعاون معهم.

النتيجة:

وأخيراً تجدر الإشارة إلى أنه مع ملاحظة الظروف و النقاط المذكورة، فإن قبول انضمام إيران إلى معاهدة مكافحة تمويل الارهاب، بناءاً على موافقة مجلس الشورى الاسلامي، فإنه يبدو من المستبعد وفي حال عدم الإنضمام، ونظراً لاختلاف المباديء السلوكية والإيديولوجية لإيران مع الدول ذات النفوذ في المعاهدة سيوفر الأرضية للاستغلال وتشديد اغلضغوط الاقتصادية والسياسية بما يتماشى مع القدرات الظاهرة والمخفية للمعاهدة.

سيد مصباح العاملي

15/10/2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *